نصائح لاغتنام العشر الأواخر من رمضان وما بعده

0

فلنستدرك ما مضى بما بقى، وما تبقّى من ليال أفضل ممّا مضى، ولهذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله) متّفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها.

وفي رواية مسلم: (كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره) وهذا يدل على أهمية وفضل هذه العشر من وجوه، أحدها: أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان إذا دخلت العشر شد المئزر، وهذا قيل أنّه كناية عن الجد والتشمير في العبادة، وقيل: كناية عن ترك النساء والاشتغال بهن، وثانيها: أنّه صلّى الله عليه وسلّم يحي فيها الليل بالذكر والصلاة وقراءة القرآن وسائر القربات، وثالثها: أنّه يوقظ أهله فيها للصلاة والذكر حرصاً على اغتنام هذه الأوقات الفاضلة، ورابعها: أنّه كان يجتهد فيها بالعبادة والطاعة أكثر ممّا يجتهد فيما سواها من ليالي الشهر.

أولاً: أفضل الأعمال في العشر الأواخر من رمضان

اغتنم بقية شهرك فيما يقرِّبك إلى ربك، وبالتزوُّد لآخرتك من خلال قيامك بما يلي:

1- الحرص على إحياء هذه الليالي الفاضلة بالصلاة والذكر وقراءة القرأن وسائر القربات والطاعات، وإيقاظ الأهل ليقوموا بذلك كما كان صلّى الله عليه وسلّم يفعل، قال الثوري: أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك، وليحرص على أن يصلّي القيام مع الإمام حتى ينصرف ليحصل له قيام ليلة، يقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: (إنَّهُ من قامَ معَ الإمامِ حتَّى ينصرِفَ كُتِبَ لَه قيامُ ليلةٍ) رواه أهل السنن وقال الترمذي حسن صحيح.

2- اجتهد في تحري ليلة القدر في هذه العشر فقد قال الله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}[القدر:3]. ومقدارها بالسنين ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر. قال النخعي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وقال صلّى الله عليه وسلّم (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر ما تقدّم من ذنبه) متّفق عليه، وقوله صلّى الله عليه وسلّم [إيماناً]أي إيماناً بالله وتصديقاً بما رتب على قيامها من الثواب. و[احتساباً] للأجر والثواب وهذه الليلة في العشر الأواخر.

كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ) متّفق عليه، وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: (تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ) رواه البخاري، وهي في السبع الأواخر أقرب لقوله صلّى الله عليه وسلّم: (الْتَمِسُوها في العَشْرِ الأواخِرِ، يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ، فإنْ ضَعُفَ أحَدُكُمْ، أوْ عَجَزَ، فلا يُغْلَبَنَّ علَى السَّبْعِ البَواقِي) رواه مسلم. وأقرب السبع الأواخر ليلة سبع وعشرين لحديث أبي بن كعب رضي الله عنه أنّه قال: (إنِّي لأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هي، هي اللَّيْلَةُ الَّتي أَمَرَنَا بهَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بقِيَامِهَا، هي لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) رواه مسلم. وهذه الليلة لا تختص بليلة معينة في جميع الأعوام بل تنتقل في الليالي تبعاً لمشيئة الله وحكمته.

قال ابن حجر عقب حكايته الأقوال في ليلة القدر: وأرجحها كلّها أنّها في وتر من العشر الأواخر وأنّها تنتقل، قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها ليلة لا قتصر عليها، وعليه فاجتهد في قيام هذه العشر جميعاً وكثرة الأعمال الصالحة فيها وستظفر بها يقيناً بإذن الله عز وجل.

والأجر المرتب على قيامها حاصل لمن علم بها ومن لم يعلم لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يشترط العلم بها في حصول هذا الأجر.

3- احرص على الاعتكاف في هذه العشر. والاعتكاف: لزوم المسجد للتفرّغ لطاعة الله تعالى وهو من الأمور المشروعة، وقد فعله النبي صلّى الله عليه وسلّم وفعله أزواجه من بعده، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِن رَمَضَانَ، حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِن بَعْدِهِ) ولمّا ترك الاعتكاف مرة في رمضان اعتكف في العشر الأول من شوال كما في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين.

قال الإمام أحمد رحمه الله: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً أن الاعتكاف مسنون والأفضل اعتكاف العشر جميعاً كما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يفعل لكن لو اعتكف يوماً أو أقل أو أكثر جاز. قال في الإنصاف: أقلّه إذا كان تطوعاً أو نذراً مطلقاً ما يسمى به معتكفاً لابثاً. وقال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: وليس لوقته حد محدود في أصح أقوال أهل العلم.

وينبغي للمعتكف أن يشتغل بالذكر والاستغفار وقراءة القرأن والصلاة والعبادة وأن يحاسب نفسه وينظر فيما قدم لآخرته وأن يجتنب ما لا يعنيه من حديث الدنيا ويقلّل من الخلطة بالخلق. قال ابن رجب: ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتّى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن  بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتحلّي بمناجاة ربه وذكره ودعائه وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية.

ثانياً: عبادات تقوّي الإيمان وتزيد الحسنات في ختام الشهر

ها هو شهر رمضان قد قوِّصت خيامه وغابت نجومه، وها أنت في ليلة العيد، فالمقبول منّا هو السعيد، وإنّ الله قد شرع في ختام الشهر عبادات تقوّي الإيمان وتزيد الحسنات، ومنها:

1- التكبير: من غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد قال تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[البقرة:185].
ومن الصفات الواردة فيه: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلّا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

2- زكاة الفطر: وهي صاع من طعام ويبلغ قدره بالوزن: كيلوين وأربعين غرماً من البر الجيد، فإذا أراد أن يعرف الصاع النبوي فليزن كيلوين وأربعين غراماً من البر ويضعها في إناء بقدرها بحيث تملؤه ثم يكيل به، والأفضل أن يخرجها صباح العيد قبل الصلاة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أمَرَ بزَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلَاةِ) متّفق عليه. ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين.

3- صلاة العيد: وقد أمر بها النبي صلّى الله عليه وسلّم أمته رجالاً ونساء ممّا يدل على تأكدها، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنّها واجبة على جميع المسلمين وأنّها فرض عين وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد واختاره ابن القيم أيضاً.

وممّا يدل على أهمية صلاة العيد ما جاء في حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العوائق والحيض وذوات الخدور، فأمّا الحيض فيعتزلن المصلّى، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: (لتلبسها أختها من جلبابها) متّفق عليه.

والسنة: أن يأكل قبل الخروج إليها تمرات وتراً ثلاثاً أو خمساً أو أكثر يقطعهن على وتر لحديث أنس رضي الله عنه قال: (كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يَغْدُو يَومَ الفِطْرِ حتَّى يَأْكُلَ تَمَراتٍ وقالَ مُرَجَّأُ بنُ رَجاءٍ، حدَّثَني عُبَيْدُ اللَّهِ، قالَ: حدَّثَني أنَسٌ، عَنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا) رواه البخاري.

ويسن للرجل أن يتجمّل ويلبس أحسن الثياب كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ عمر جبة من استبرق تباع في السوق فأخذها فأتى بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إنَّما هذِه لِبَاسُ مَن لا خَلَاقَ له) وإنّما قال ذلك لكونها حريراً. وهذا الحديث رواه البخاري وبوب عليه: باب في العيدين والتجمل فيهما، وقال ابن حجر: وروى ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين.

وأمّا المرأة فإنّها تخرج إلى العيد متبذّلة غير متجمّلة ولا متطيبة ولا متبرجة لأنّها مأمورة بالستر والبعد عن الطيب والزينة عند خروجها.

ويسن أن يخرج إلى مصلّى العيد ماشياً لا راكباً إلّا من عذر كعجز وبعد مسافة لقول علي رضي الله عنه: (من السنة أن يخرج إلى العيد ماشياً) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن. والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشياً وأن لا يركب إلّا من عذر.

وينبغي مخالفة الطريق بأن يرجع من طريق غير الذي ذهب منه، فعن جابر رضي الله عنه قال: (كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا كانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ) رواه البخاري. وفي رواية الإسماعيلي كان إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق الذي ذهب فيه. قال ابن رجب وقد استحب كثير من أهل العلم لللإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد.

ويستحب التهنئة والدعاء يوم العيد، فعن محمد بن زياد قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض: تقبّل الله منّا ومنك. قال أحمد: إسناده جيد. وقال ابن رجب: وقد روي عن جماعة من الصحابة التابعين أنّهم كانوا يتلاقون يوم العيد ويدعو بعضهم لبعض بالقبول.

ثالثاً: تنبيهات مهمة على أمور تحصل في يوم العيد

1- لا يجوز للمرأة أن تخرج إلى الرجال متبرّجة متزيّنة متعطّرة حتى لا تحصل الفتنة منها وبها، فكم حصل من جرّاء التساهل بذلك من أمور لا تحمد عقباها. قال الله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ) [الأحزاب: 33] وقال صلّى الله عليه وسلّم: (أيما امرأةٍ استعَطرَتْ، فمرَّتْ على قوم لِيَجدوا رِيحَها فهي زانيةٌ، وكلُّ عينٍ زانيةٌ) رواه أحمد والثلاثة وقال الترمذي حسن صحيح، وصحّحه ابن خزيمة وابن حبان. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لمّا نزلت الآية (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) [الأحزاب: 39] خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية. رواه أبو داود وصحّحه الألباني.

2- الحذر من الاختلاط المحرّم بين الرجال والنساء وهو محرّم كل وقت وحين. وإنّما حصل التنبيه هنا لكثرة اجتماع الناس في هذا اليوم وتكرّر الزيارات واللقاءات العائلية والرحلات البرية فيه.

3- تحرّم المصافحة بين المرأة والرجل الأجنبي، وهي عادة قبيحة مذمومة وإذا كان النظر إلى الأجنبية محرماً فالمصافحة أعظم فتنة، ولمّا طلبت النساء المؤمنات من النبي صلّى الله عليه وسلّم في المبايعة على الإسلام أن يصافحهن امتنع وقال: (إنّي لا أصافح النساء) أخرجه مالك وأحمد والنسائي والترمذي بنحوه. وقال: حسن صحيح، وصحّحه ابن حبان.

وقال ابن عبد البر في قوله صلّى الله عليه وسلّم: (إنّي لا أصافح النساء) دليل على أنّه لا يجوز لرجل أن يباشر امرأة لا تحل له، ولا يمسها بيده ولا يصافحها. وفي حديث معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (لَأَنْ يُطعَنَ في رأسِ أحَدِكُمْ بِمَخْيَطٍ من حَدِيدٍ خَيرٌ له من أنْ يَمسَّ امْرأةً لا تَحِلُّ لَهُ) رواه الطبراني والبيهقي، وقال المنذري: رجال الطبراني ثقات رجال الصحيح، وصحّحه الألباني.

4- صلة الرحم فريضة وأمر حتم، وقطيعة الرحم كبيرة من كبائر الذنوب، قال صلّى الله عليه وسلّم (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ) متّفق عليه. ويوم العيد فرصة لصلة الرحم وزيارة الأقارب وإدخال السرور عليهم، وهذا من جلائل الأعمال وسبب في بسط الرزق وتأخير الأجل، قال صلّى الله عليه وسلّم: (مَن أحَبَّ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، ويُنْسَأَ له في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) متّفق عليه.

ولا تكن صلتك لأقاربك مكافأة لهم على قيامهم بحقك بل صلهم ولو قطعوك، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم (ليس الواصلُ بالمكافىءِ ، و لكنَّ الواصلَ الذي إذا قُطعَتْ رحمُه وصلَها) رواه البخاري. واعلم أنّ من صلة الرحم الاتصال الهاتفي على الأقارب عند تعذر المقابلة والاطمئنان على صحتهم وسؤالهم عن أحوالهم وتهنئتهم عند المحاب ومواساتهم عند الشدائد والمكاره.

5- العيد مناسبة طيبة لتصفية القلوب وإزالة الشوائب عن النفوس وتنقية الخواطر ممّا علق بها من بغضاء أوشحناء، فلتغتنم هذه الفرصة ولتجدّد المحبّة وتحل المسامحة والعفو محل العتب والهجران مع جميع الناس من الأقارب والأصدقاء والجيران. وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ، إلَّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ) رواه مسلم.

وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيالٍ، يَلْتَقِيانِ فيُعْرِضُ هذا ويُعْرِضُ هذا، وخَيْرُهُما الذي يَبْدَأُ بالسَّلامِ) متّفق عليه من حديث أبي أيوب رضي الله عنه ورواه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وزاد: (فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار) وصحّحه الألباني، وقال صلّى الله عليه وسلّم: (مَن هجرَ أخاهُ سنةً فَهوَ كسَفكِ دمِهِ) رواه أبو داود وصحّحه الألباني.

رابعاً: ماذا بعد رمضان؟

لقد انقضى شهر رمضان بأيامه ولياليه ودقائقه وثوانيه، ولئن كان ذلك الشهر موسماً عظيماً من مواسم الخير والطاعة فإنّ الزمان كلّه فرصة للخير والتزود للدار الآخرة، وليست العبادة خاصة بشهر رمضان بل الحياة كلّها عبادة قال الله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر:99]. فعليك أيّها المسلم أن تواصل أعمال الخير من الصلوات والصيام والصدقة والذكر وقراءة القرآن وسائر القربات، فإنّ من علامة قبول العمل اتباع الحسنة بالحسنة.

فبادر بالعمل قبل حلول الأجل واغتنم حياتك وشبابك وفراغك وصحتك وغناك قبل حصول أضدادها، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم: (اغتنِمْ خمسًا قبلَ خمسٍ: حَياتَك قبلَ موتِك، وصِحَّتَك قبلَ سَقَمِك، وفراغَك قبلَ شُغْلِك، وشبابَك قبلَ هَرَمِك، وغِناك قبلَ فقرِكَ) المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الجامع.

أيها الصائم القائم لئن كان رمضان موسماً للصيام والقيام فإنّ العام كلّه موسم للأعمال الصالحة، وإليك طائفة من الأعمال المشروعة في مجال الصلاة والصيام فاحرص على فعلها وتحقيقها:

1- صيام ستة أيام من شوال: ففي صحيح مسلم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ) رواه مسلم.

2- صيام ثلاثة أيام من كل شهر: قال صلّى الله عليه وسلّم: (ثَلَاثٌ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، فَهذا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ) رواه مسلم وقال أبو هريرة رضي الله عنه: (أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بثَلَاثٍ: بصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ) متّفق عليه. والأفضل أن تكون في أيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر لحديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (يا أبا ذَرٍّ إذا صُمْتَ من الشهرِ ثلاثةَ أيامٍ، فصُمْ ثلاثَ عَشْرَةَ، وأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ) رواه الترميذي وحسّنه وصحّحه ابن خزيمة وابن حبان.

3- صيام الاثنين والخميس: فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَحَرَّى صومَ الاثنينِ والخميسِ) رواه الترمذي وحسّنه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (تُعرَضُ الأعمالُ يومَ الاثنينِ والخميسِ فأحبُّ أن يُعرَضَ عملي وأنا صائمٌ) رواه الترمذي وحسّنه.

4- صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء: ففي صحيح مسلم أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن صيام يوم عرفة فقال: (يكفّر السنة الماضية والباقية) وسئل صلّى الله عليه وسلّم عن صيام عاشوراء فقال صلّى الله عليه وسلّم: (يكفّر السنة الماضية) .

5- صيام شهر محرم: ففي مسلم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (أَفْضَلُ الصِّيامِ، بَعْدَ رَمَضانَ، شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وأَفْضَلُ الصَّلاةِ، بَعْدَ الفَرِيضَةِ، صَلاةُ اللَّيْلِ).

6- صيام شهر شعبان: ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأَيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ استكمَلَ صيامَ شهرٍ قطُّ إلَّا رَمَضانَ، وما رأيتُه في شهرٍ أكثرَ صيامًا منه في شعبانَ، زاد: كان يصومُه إلَّا قليلًا، بل كان يصومُه كلَّه).

7- صيام يوم وإفطار يوم: قال صلّى الله عليه وسلّم: (أَفْضَلَ الصِّيَامِ عِنْدَ اللهِ، صَوْمَ دَاوُدَ عليه السَّلَام كانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا) متّفق عليه.

8- قيام الليل في كل ليلة من ليالي العام: ففي صحيح مسلم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (أَفْضَلُ الصَّلاةِ، بَعْدَ الفَرِيضَةِ، صَلاةُ اللَّيْلِ) وفي الصحيحين أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فيَقولُ: مَن يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ له، مَن يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له؟). وصلاة الليل تشمل التطوّع كلّه والوتر، وأقل الوتر ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة.

9- السنن الرواتب التابعة للفرائض: وهي ثنتا عشرة ركعة أربع قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل صلاة الفجر. فعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: (ما مِن عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَومٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا، غيرَ فَرِيضَةٍ، إلَّا بَنَى اللَّهُ له بَيْتًا في الجَنَّةِ) رواه مسلم.

10- سنة الضحى: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أوصاني خليلي بثلاث، وذكر منها: وصلاة الضحى) متّفق عليه، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ ما شَاءَ اللَّهُ) رواه مسلم.

تقبل الله من الجميع صالح الأعمال، وصلّى الله وسلّم على أشرف الأنبياء والمرسلين.

Source: Annajah.net
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد