هل البيئة أكثر أهمية حقاً من الدافع؟

0

ملاحظة: هذا المقال مأخوذ عن الكاتب جيمس كلير (James Clear) والذي يحدثنا فيه عن تأثير البيئة في اكتساب العادات الجيدة والالتزام بها بسهولة.

شكل السلوك البشري:

يشير اختصاصي علم الإنسانيات وعلم الأحياء جاريد دايموند (Jared Diamond) في كتابه “أسلحة وجراثيم وفولاذ” (Guns, Germs, and Steel) إلى حقيقة بسيطة هي أنَّ القارات المختلفة لها أشكال مختلفة؛ وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى بديهياً وغير هام إلى حدٍ ما، ولكن اتضح فيما بعد أنَّ له تأثيراً عميقاً في السلوك البشري، حيث يمتد المحور الرئيس للأمريكيتين من الشمال إلى الجنوب، ويعني هذا أنَّ اليابسة في أمريكا الشمالية والجنوبية تميل إلى أن تكون طويلة وضيقة وليست واسعة وعريضة، وينطبق الشيء نفسه على أفريقيا، بينما تكون مساحة اليابسة التي تضم أوروبا وآسيا والشرق الأوسط عكس ذلك، حيث يميل هذا الامتداد الشاسع من الأرض إلى أن يكون أكثر من الشرق إلى الغرب من ناحية الشكل؛ ووفقاً لدايموند، لعب هذا الاختلاف في الشكل دوراً هاماً في انتشار الزراعة على مر القرون.

قوة البيئة المذهلة:

عندما بدأت الزراعة بالانتشار حول العالم، كان من السهل على المزارعين التوسع على طول الطرق الممتدة من الشرق إلى الغرب مقارنة بالطرق الممتدة من الشمال إلى الجنوب؛ وذلك لأنَّ المناطق التي تقع على طول خط العرض نفسه تتمتع عموماً بالمناخ وأشعة الشمس والأمطار والتغيرات الموسمية نفسها، حيث سمحت هذه العوامل للمزارعين في أوروبا وآسيا بتدجين عدد لا بأس به من المحاصيل وزراعتها على امتداد كامل مساحة الأرض من فرنسا إلى الصين.

بالمقارنة، يختلف المناخ اختلافاً كبيراً عند السفر من الشمال إلى الجنوب، فمثلاً: تخيل مدى اختلاف الطقس في فلوريدا مقارنة بكندا، فحتى لو كنت المزارع الأكثر موهبة في العالم، لن يساعدك ذلك على زراعة برتقال فلوريدا في فصل الشتاء في كندا؛ ذلك لأنَّ الثلج بديل سيئ للتربة.

يحتاج المزارعون من أجل نشر المحاصيل على طول الطرق بين الشمال والجنوب إلى إيجاد وتدجين نباتات جديدة كلما تغير المناخ؛ ونتيجة لذلك، انتشرت الزراعة عبر آسيا وأوروبا أسرع بمرتين إلى ثلاث مرات من انتشارها في الأمريكيتين، وكان لهذا الاختلاف الصغير تأثير بالغ على مدى قرون، حيث أدى زيادة الإنتاج الغذائي إلى نمو سكاني أسرع ساعد هذه الثقافات على بناء جيوش أقوى وتطوير تقنيات جديدة على نحو أفضل.

لقد بدأت التغييرات صغيرة في هذه المناطق، حيث انتشرت المحاصيل على مسافة أبعد قليلاً؛ ونما عدد السكان بصورة أسرع قليلاً، ولكن تعاظمت هذه التغييرات بمرور الزمن.

شاهد بالفديو: 8 أشياء يجب أن تقوم بها حتى تعيش شغف الحياة

اليد الخفية:

إنَّ البيئة هي اليد الخفية التي تشكل السلوك البشري، ولكنَّنا نميل إلى الاعتقاد بأنَّ عاداتنا هي نتاج دافعنا وموهبتنا وجهدنا، وهذه الصفات هامة بالتأكيد؛ ولكنَّ الأمر المدهش هو أنَّ البيئة تتغلب على صفاتك الشخصية، لاسيما على مدى فترة زمنية طويلة.

لا يوجد دليل على أنَّ المزارعين في أوروبا وآسيا كانوا أكثر موهبة أو أكثر حماساً من المزارعين في بقية العالم، وتمكَّنوا مع ذلك من نشر الزراعة بمعدل 2 إلى 3 ثلاث مرات أسرع من أقرانهم؛ فإذا كنت تريد زيادة فرص نجاحك، فأنت بحاجة إلى العمل في بيئة تُسرِّع نتائجك بدلاً من إعاقتها.

تصميم بيئة أفضل:

توجد عدة طرائق لتصميم بيئة تعزز النجاح، وفيما يأتي ثلاث استراتيجيات لذلك:

1. أتمتة القرارات الجيدة:

صمِّم بيئة تتخذ قرارات جيدة نيابة عنك؛ فعلى سبيل المثال: يمكن أن يساعدك شراء أطباق أصغر على إنقاص وزنك بتحديد حجم حصتك من الطعام، حيث وجدت دراسة أجراها بريان وانسينك (Brian Wansink) بجامعة كورنيل (Cornell) أنَّ الناس أكلوا أقل بنسبة 22% عندما استبدلوا أطباق العشاء ذات المقاس 12 بوصة بأطباق ذات مقاس 10 بوصة؛ وبالمثل، قد يساعدك استخدام التطبيقات لحجب مواقع التواصل الاجتماعي في التغلب على التسويف، وذلك باتخاذ الإجراءات المناسبة تلقائياً.

2. السير في الاتجاه نفسه:

غيرت سلسلة متاجر “بيت سمارت” (PetSmart) قبل بضع سنوات عملية الدفع، حيث ظهرت شاشة بعد تمرير العملاء بطاقاتهم الائتمانية تسألهم عمَّا إذا كانوا يريدون التبرع “للمساعدة في إنقاذ الحيوانات الضَّالة”، وقد جمعت جمعيات “بت سمارت” الخيرية من خلال هذه الاستراتيجية فقط 40 مليون دولار في السنة.

يمكنك أنت أيضاً تطبيق استراتيجية مماثلة من خلال تصميم بيئة تسير فيها العادات الجيدة باتجاه سلوكاتك العادية نفسها؛ فعلى سبيل المثال: إذا كنت ترغب في العزف على آلة موسيقية، يمكنك وضعها في منتصف غرفة المعيشة؛ وكذلك يزداد احتمال ذهابك إلى صالة الألعاب الرياضية إذا كانت على طريق عودتك إلى المنزل أكثر مما لو كانت على بعد خمس دقائق فقط في الاتجاه المعاكس لطريق عودتك؛ لذا صمِّم عاداتك بحيث تتناسب مع اتجاه أنماطك الحالية كلما أمكنك ذلك.

3. التخلص من التأثيرات السلبية:

لم تُتَح للمزارعين القدماء الفرصة لإزالة العقبات التي كانت تعيقهم، ولكنَّ الفرصة متاحة لك؛ فعلى سبيل المثال: أعاد مصنِّعو أجهزة التلفاز اليابانية ترتيب أماكن عملهم لتوفير الوقت من خلال التخلص من الاستدارة والانحناء والدوران غير الضرورية، ويمكنك أنت أيضاً تقليل التأثيرات السلبية في بيئتك؛ فعلى سبيل المثال: يمكنك تجنُّب الأطعمة غير الصحية بتخزينها في أماكن غير مرئية، حيث تغريك الأطعمة التي تُوضَع على مستوى العين لشرائها وتناولها على نحو متكرر.

شاهد بالفديو: 7 خطوات ليوم أكثر فعالية ونشاط

تأثير البيئة:

نحن سريعون في إلقاء اللائمة على بيئتنا عندما تسوء الأمور، فإذا فقدت وظيفتك، فذلك لأنَّ الاقتصاد سيئ؛ وإذا خسرت مباراة، فذلك لأنَّ الإدارة كانت سيئة؛ وإذا تأخرت عن العمل، فهذا بسبب الازدحام؛ لكن عندما نفوز، نتجاهل البيئة تماماً؛ فإذا حصلت على وظيفة، فهذا لأنَّك كنت موهوباً ومحبوباً؛ وإذا فزت بلعبة، فهذا لأنَّك لعبت على نحو أفضل؛ وإذا وصلت إلى الاجتماع مبكراً، فهذا لأنَّك منظم ودقيق.

إنَّه لمن الهام أن نتذكر أنَّ البيئة هي الدافع وراء سلوكاتنا الجيدة والسيئة على حدٍ سواء، حيث يستفيد الأشخاص الذين يلتزمون بالعادات الجيدة بسهولة غالباً من البيئة التي تجعل سلوكاتهم أسهل، وقد يخوض الأشخاص الذين يكافحون من أجل النجاح معركة شاقة ضد بيئتهم؛ فما يبدو غالباً على أنَّه نقص في الإرادة هو في الواقع نتيجة لبيئة سيئة.

الحياة لعبة، وإذا كنت ترغب في ضمان نتائج أفضل على مدى فترة زمنية طويلة، فإنَّ أفضل طريقة هي أن تلعب اللعبة في بيئة تناسبك؛ فغالباً ما يفوز الفائزون لأنَّ بيئتهم تجعل الفوز أسهل.

 

المصدر

Source: Annajah.net
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد