
طلب الرئيس الأميركي جو بايدن في مارس/آذار من مستشاره للأمن القومي أن يحصل له من أجهزة المخابرات على تقرير بشأن أصول كوفيد-19، وهل كان ظهوره بسبب الاتصال البشري مع حيوان مصاب أو حادثا في مختبر، وقد فاجأ هذا الطلب الجميع، من حيث إنه كشف قلة خبرة وكالة المخابرات الأميركية “سي آي إيه” (CIA)، خاصة في الأمور المتعلقة بالصين.
من هذه المقدمة، انطلقت الكاتبة بمجلة لوبوان (Le Point) الفرنسية كلير مينيال، في محاولة لكشف الصعوبات التي تعانيها “سي آي إيه” في العمل بالصين، التي راج في الإعلام أن مختبرها في ووهان قد يكون مصدر الفيروس، رغم أنه تم التعامل مع هذه الفرضية على أنها إحدى نظريات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب التآمرية.
وقبل أن تدخل الكاتبة في صلب الموضوع، أشارت إلى أن التوقعات من التقرير المطلوب ليست كبيرة، لأن “كل ما يمكننا فعله في غضون 90 يوما -بحسب سام وايمان الذي قضى 31 عاما مع وكالة المخابرات المركزية في أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط- هو استعادة ما حصدناه بالفعل، آملين أن يكون قد فاتنا شيء ما”.
وأشار وايمان إلى أن هذا المجهود مهم ولكن لا يتوقع منه أن يحقق الهدف المعلن، لأن “هذه القصة أصبحت قضية سياسية”، وجو بايدن يحاول فقط تهدئة الخواطر.
غباء شديد
وتساءلت مينيال: ما الذي كان سيطلبه وايمان من عملائه في هذه الحالة، لترد بأنه سيجعلهم قريبين قدر الإمكان من المختبر، ليتعرفوا على الذين يعملون هناك، وسيكون من الضروري تحديد نقاط ضعفهم، وتجنيد واحد منهم حتى يخبرنا بما يحدث هناك ونتحقق من معلوماته بالوسائل التقنية، كجهاز استشعار الغلاف الجوي، غير أن هذا الأمر سيستغرق سنوات، بحسب رأي وايمان.
ولكن لماذا لم تقم “سي آي إيه” بذلك؟ تتساءل المجلة لتشير إلى أن هناك فيما يبدو صعوبة واضحة في التجسس على الصين.
ونقلت في هذا الصدد عن العقيد السابق غرانت نيوزهام عضو المخابرات في قوات المحيط الهادئ البحرية والباحث في مركز السياسة الأمنية، قوله إن “الأمر أصبح أكثر صعوبة بسبب المراقبة التلقائية وتقنية التعرف على الوجوه التي تسمح بتتبع أي شخص”، كما أن بكين اخترقت النظام الآمن الذي يستخدمه العملاء للتواصل، و”لديها موارد غير محدودة من حيث الموظفون والاستثمار الإلكتروني. والعمل فيها أصعب مما كان عليه الحال في الاتحاد السوفياتي السابق أثناء الحرب الباردة”.
وذكّرت المجلة بأن إخفاقات المخابرات الأميركية في الصين ليست جديدة، حيث كلف الجنرال دوغلاس ماك آرثر، الجنرالَ تشارلز ويلوبي بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة بهذا الموضوع، ولكن غباءه الشديد منع الوكالة من الوصول إلى المنطقة، وقد تسببت أخطاء المعلومات على وجه الخصوص في خسائر كبيرة خلال الحرب الكورية (1950-1953).
هدف صعب
ونبّهت المجلة إلى أن وضع الوكالة للصين في مقدمة “تقييم التهديد السنوي” لعام 2021 ليس أمرا جديدا، لأن “الصين أصبحت منافسا بشكل متزايد، وتتحدى الولايات المتحدة في العديد من المجالات، خاصة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وتحاول تغيير المعايير العالمية”.
ويقول لورانس فايفر الذي عمل لمدة 32 عاما في المخابرات، “لقد مرت 10 سنوات على الأقل منذ أن حددنا الصين باعتبارها تهديدا مستمرا، لكن لم تتم متابعتها، وسيخصص لها تقريبا مثل ما تم تخصيصه للاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، لأنها هدف صعب”.
الصين خصم قوي في مجال الاستخبارات المضادة كما تقول المجلة، إذ لم يكن اختراق نظام “سي آي إيه” عام 2015 الذي أتاح لها الوصول إلى آلاف الملفات والعقود والمعلومات الشخصية، نجاحها الأول، حيث كشفت الصحافة عام 2017 أن بكين قتلت أو سجنت بين عامي 2010 و2012 نحو 20 من عملاء “سي آي إيه”، وبالتالي أضعفت شبكتها التي تم بناؤها في سنوات عديدة، وليس من السهل إعادة بنائها، لسبب بالكاد يمكن تصديقه -بحسب ماثيو كروستون المتخصص في هذه الأمور في جامعة بوي ستيت- وهو “عدم قدرتنا على التحدث بلغة أخرى بشكل جيد”.
الصين اخترقت نظام “سي آي إيه” عام 2015، مما أتاح لها الوصول إلى آلاف الملفات والعقود والمعلومات الشخصية، ولم يكن ذلك نجاحها الأول، حيث كشفت الصحافة عام 2017 أن بكين قتلت أو سجنت بين عامي 2010 و2012 نحو 20 من عملاء “سي آي إيه”، وبالتالي أضعفت شبكتها التي تم بناؤها في سنوات عديدة، وليس من السهل إعادة بنائها
انتحار مهني
ويتمثل أحد الحلول -بحسب كروستون- في إقناع العملاء الأميركيين الصينيين بالعودة إلى الصين، وهو أمر مستبعد. وهناك طريق آخر وهو تجنيد عملاء صينيين في الخارج يكونون أكثر حرية في تحركاتهم. ويقول كروستون “منذ زمن بعيد، كان من دواعي سروري العمل مع صيني في الشرق الأوسط، كان مراسلا لقناة آسيوية، ولم يكن يتحدث الإنجليزية ولا أنا أتحدث لغة الماندرين، لكن كلانا يتحدث العربية جيدا”.
أما بالنسبة لغرانت نيوزهام، فإن المشكلة أعمق من مجرد الحصول على جاسوس يمكن أن لا يلاحظ في الصين، وهي مشكلة تتعلق بالجانب الأميركي، إذ إن القضية تتعلق بمختبر للبيولوجيا وعلم الفيروسات الذي يمكن أن يعمل على الأسلحة البيولوجية ويجب أن يكون من بين أولويات الاستخبارات، وكون “سي آي إيه” لا تعرف كل ما يجري هناك علامة على فشلها، وهي مجرد مؤشر إضافي على عدم كفاءة هذه الوكالة.
وأوضح نيوزهام أن وجود بيروقراطية ضخمة مليئة بالمسؤولين الضعفاء، يتقدمون على أساس عدد من يجندونه من العملاء في الخارج، ويكتفون بالعمل في المناطق السهلة، كالفلبين وأفريقيا الناطقة بالإنجليزية وأميركا اللاتينية، رغم أنها أهداف أقل أهمية من “الإرهابيين” والصينيين، مشيرا إلى أن المراهنة على الصين تستغرق وقتا وهي صعبة، وقد تكون بالنسبة للبيروقراطيين “انتحارا مهنيا”.
ويرى نيوزهام أن قوة المال الصيني الذي أصبح الكثير منه في هوليود وفي الشركات الناشئة بكاليفورنيا، عائق آخر، ولكن لورانس فايفر يرى أنه ما زال هناك أمل، لأن الصينيين مهما بلغت قوميتهم يبقون بشرا “وبينهم من لديه أسباب لخيانة البلد، كعالم لم يحصل على الترقية التي يعتقد أنه يستحقها، وشخص يعاني من مشاكل مالية وطفله مريض يحتاج إلى إجراء العملية في الولايات المتحدة”.
ومع أن من هم في مكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة المخابرات المركزية ليس لديهم شك في أن كوفيد-19 نشأ في مختبر ووهان، فإنهم يعتقدون أن الأميركيين سيصابون بالفزع إذا أخبروهم بذلك، وبالتالي لم يعد التحدي يتمثل في حماية المعلومات السرية بل بما تعتقد المخابرات أن الأميركيين لن يكونوا قادرين على هضمه.
